الخميس، 18 يوليو 2019

تختبئينَ مثلَ شرودِ لهفةٍ...


تختبئينَ مثلَ شرودِ لهفةٍ...

هنري جيرفيكس (1852 – 1929)


لأنّكِ تعبرينَ مسامي باللمسِ/
تتداعى مناعةُ شغفي...

لأنّكِ تعبرينَ مسافاتِ الزمنِ العقيم...
أشتاقُ
أنْ أتوقفَ عندَ حكاياتِ النغماتِ
لأقرصنَ قُبلةً
تفلشُ شوقَ شفتيكِ
لنهمِ الاشتياقِ المرصودِ على الشهوةِ...
لأنّكِ
تختبئينَ في الصورةِ العالقةِ
مثلَ شرودِ لهفةٍ...
تصيرينَ صومعتي
حيثُ تبتهلُ الحواسُ أمامَ صنمِ الأشواق...
كلّنا يعبرُ في نهنهاتِ الأحلامِ الضارعةِ
إلى لُغةِ الهمسةِ...
إلى أبجدياتٍ تتلعثمُ أمامَ واحاتِ الانتظار...
إلى تضرّعاتِ الجسدِ
وتأوّهاتِ الجنسِ...
وغاياتِ الملامسِ السابحةِ في بحارِ الحبّ...

أحبُّكِ
كما لم يخطرْ على خصرِ الشهقةِ
قوسُ قُزحِ
يزنّرُ خصركِ...
كما لو أنّ تدافُعَ كرياتِ دمي
يتوالفُ عبيرًا
لانسيابِ عشقي لكِ...
كما لو أنّكِ تتجذّرينَ في أعماقي ...
وأبحثُ عن ذاتي
لأخترقني إليكِ...

هي حكاياتُ الأبعادِ الثلاثيةِ
للإختباء من قارعة الحبّ...
فلا أقعُ عليكِ...

إستمرّي في التشرّدِ عندَ شواطئ التمنّعِ...
فلقدْ تمدّدتْ أمواجُ ذُهولي
وترامتْ أشواقي
على سلالمِ موسيقى الشغفِ...
وتناهت إليكِ...

ميشال مرقص

الأحد، 7 يوليو 2019

دعيني أعودُ من مائكِ


دعيني أعودُ من مائكِ

                                                  Stanislav Plutenko, 1961..




هاتيني
لمْ أعدْ أحتملُ ذاتي مشرّدًا
في مجاهل عُريكِ...
هاتي ذاتي...
فأنا سلختُ آهاتي الحائرة
وتركتها
تتلوّنُ بنقاء لُهاثِكِ...
دعيني أعودُ من ذرّاتِ عرقكِ ...
من مائكِ
السائح شهوةً
من عطرِكِ المتفلّتِ الإزار
في أبعادِ حكاياتَ اللهفة...
هاتيني
واتركي سحركِ ينسابُ في ذاتي
في الكائن المشبوبِ بكِ
في تقاطعِ الشهواتِ
في غمار الحبَّ والحنانِ
وقد نسي كلٌّ منّا
نبضَ
احتراره في كيانِ الآخر...
هاتيني
واتركي للجسدِ أنْ يتذكّرَ
أنْ يخرجَ من النسيانِ...
فالجسدُ
يدورُ في فلكِ الذاكرةِ المعسولةِ
على تقرّحاتِ الحبَّ...

هاتيني
وتباعدي وأنا أتقاربُ
وتقاربي عندما أتباعدُ...
فأقواسُ التلاقي
تعبرُ في جزيئاتِ العشقِ جنوني...
تخطرينَ
من حكاياتِ أجيالٍ
نسيتَ ارتحالها
إلى قُطبِ الشوقِ...
ناعمة
ناعسة...
تتركُ ابتسامتُكِ
شفقًا قطبيًّا غزيرُ البوحِ الملوّن...
تترُكُ نداءاتُ وجهُكِ
حيرةً
ما بينَ القبلة والقبلةِ...
وأتمادى في انجذابي لأنسى ذاتي...
أعيديني إلى ذاتي...

ميشال مرقص

24/5/2019         

الأحد، 16 يونيو 2019

لا أعرفُ مسالكَ شوقي إليكِ...



لا أعرفُ مسالكَ شوقي إليكِ...


  Louis Emile Pinel de Grandchamp  (1831- 1894)

أخرجي من الصورة...
الصُورُ لا تنبضُ عشقًا...
الصورُ تبحثُ عن متاهاتٍ صامتة/
حيثُ تنسلُ خيوطَ شهوتها...

إفتحي نوافذَ المرايا
واهدلي كحُلُمِ حريرٍ
يُمالئُ عُريكِ
فلا يخدشُ هنيهاتِ السُكرِ في مسامِكِ...

لا تجلسي ضمن إطارِ الكلامِ في شهقاتِ العينين/
الصمتُ الجارحُ
لا يعرفُ من قواميسِ الجسدِ
غيرَ حروفِ المتعةِ المرصودةِ
على المعاني الفاترةِ...

إنطلقي أيّتها الهرّةُ البريّةُ
من مخابئ الشهوة...
إفرزي أهواءَ ضلوعِكِ لحرائق اللهفةِ
أعبري براكينَ الزمنِ الهائمِ في ولائمِ عينيكِ
اخرجي إليّ من كسلِ العُريِ
المسكوبِ بعسلِ الجنون...
تعلّقي بي
كشهوةٍ مدموغةٍ في جلدِ العشقِ...
تشابكي بي
مثلَ عُلّيقٍ لا يُفلتُ براثنَ أشواكه من جِلدي...
أهربي من ذاتِكِ إليَّ...
فلقدْ انتظرتُكِ
من قبلِ الانتظارِ...
من قبل أنْ يتكوّنَ مدارُ الزمنِ
ويتحدّدَ للعالم مواقيتُ ومواعيدُ...

هكذا تنسلّينَ إلى أعماقي
مثلَ لصّةٍ بريئةٍ من عبورِ شغفِ القلب...
هكذا تدورين في أعصابي
مثلَ شرودِ خدرِ الخمرِ وعُرسِ النبيذِ...
أشتاقُكِ
ولا أعرفُ مسالكَ شوقي إليكِ...
وأراكِ
في الصورةِ
بين تردّدِ الشفاه
ودعاءِ العينينِ...
أخرجي إليّ من قوقعةِ الخجلِ...
ولوّني غُبارَ المرآةِ بقوسِ قزحٍ...
كلّما اقتربتِ إليّ
أعشقُكِ أكثر...
أحبّكِ أكثرْ
وأعيدُكِ إلى الصورةِ
فأحفظُكِ في عينيّ ...

أيّتها الهرّةُ البريّةُ
الشاردةُ
من قفصِ ضلوعي
وشباكِ عُشقي ...

ميشال مرقص


الثلاثاء، 14 مايو 2019

196 – همسات حبّ



196 – همسات حبّ

                      جول جوزف لو فيبر (1836-1911)



1

أمشي وحيدًا
ويلملمُ الطريقُ حكاياتِكِ معي/
لكلِّ زهرة نُقطةُ عطرٍ من أنوثتِكِ...
وللأشجارِ
طرحاتُ العشقِ...

2

لا تُغلقي
سِفرَ عبورِكِ أحلامي ...
لكِ من ذراعيَّ لهفةَ العناقِ المحمومِ
وأنا
لا أرتوي من تدفق جنونِكِ...

3

متى يحينُ اللقاءُ
أسدلي ستارةَ الهواءِ...
أحبُّ أنْ أتنفسَكِ لوَحدَكِ...

ونتركَ للزائر أنْ يُروّجَ للحكاية...

4
إقتربي شهوةَ مسام
فتَلتَصقُ لُجَيْنات الرغباتِ ثرثارةً...

هاتي نشوتّكِ
لأخبرها عنْ ذنوبي...

5

في حديقة الأطفالِ
حصانٌ خشبيٌّ...
وبينوكيو
لمْ يأتِ فارسًا...

6

هاتي كأسًا
منْ خمرِ أنوثتِكِ
فأنا أدمنتُ عصيرَ كرمكِ...

7

إقتربي...

دعي شفتيكِ تتمخلانِ
في ارتشافِ قبلة...

فلِلْعُمرِ الطويل...
خمرُ المتعةِ...

تناغمي مع إيقاعِ أنفاسنا...

8

أحملُ جَدولَ أيّامي/
أرتَبِكُ
من تبدّلِ الفصولِ...

الغيومُ العابرةُ تُمطرُ هواجسَ للعصافير...

الطيورُ
تُبدّلُ في نغماتِ زقزقاتها...
وأنتِ
وأنا
نُحصي نجومًا تختفي
من دفاتر الذكريات...

يصيرُ العمرُ ماجنًا
وهو عجوزٌ...
يصيرُ ذكرياتٍ
تُلوّنُ رمادَ السنين...

9

إفتحي ما بينَ فخذي اللهفة...
فللبركانِ العجوزِ
صحواتٌ مثيرة...

10

لا تضطربي...
هي قُبلة...
أعلمُ أنَّ أنوثتَكِ
استلذّتْ النشوة...

11

متى ترفضينَ الرجالّ كلّهمْ
ترفضينَ ذاتَكِ...

لستِ مميّزة
إنْ لم تجدي رجلاً لكِ...
أنتِ
تعشقينَ مزايا في الرجال...

وتعتبرينَ نفسكِ آلهة...

12

مالْ لْ هوى عليكِ
شَمِّيْتْ نسماتو...

إنتي لْ عِطْرْ ذاتو
غافي
بِ عينيكي...

13

جايي قِلِّكْ
مسا لْ نورْ...
وشوفْ عيونِكْ بِ عيوني...
لا تخلّي عِينَيّي تزورْ
وتِرْجَعْ
من دونْ جنوني...

14

هذا ظِلّي
تركَ بصمةً
عندَ بابِ قصيدتِكِ...
وغادرَ
مع عبورِ الأشواق...

15

شَعْرُكِ
تَذريه الرياح
شراعًا للأمواجِ...
ويضحكُ النخيلُ
باكيًا...

16

الجنسُ
عتمةٌ موبؤةٌ
لِمِتعةٍ لذيذة...
تقترفُ شوقَ الأحلام...

17

يقطفُ العمرُ شهواتنا
مثلَ قناديلَ ملوّنة...

نتأمَّلُ في تمازجِ ألوانها...
قبلَ أنْ نستسلم لأحلامِ الشباب...

18

أندمُ
على كلِّ لحظةٍ
لمْ أُحبّكِ فيها بما يفيضُ عنّي...

كانَ لكِ أنْ تختزني من الذرّاتِ الحاسمة...

19

ليسَ للحبِّ
أنْ يخضعَ في أهوائها
لرغباتِ الجسدِ...

بلْ أنْ يتجاوبَ الجسدُ
مع رغباتِ الحبِّ...

20

لِنكُنْ في عناقنا
مثل جذعي شجرة...
لا ينفصلان...
يشمخانِ ملتحمَين...

21

لو تعرفينَ كيفَ أقرأُ قصائدَكِ...
لتغاويتِ بجسدِكِ بينَ العناوين...

شهوتُكِ تقطرُ عطشًا بين الحروف...

22

لماذا تُناورينَ عندَ حافَّةِ الشفتينِ؟
الإيحاءُ
شهوةٌ مغمَّسةٌ
برغباتِ مجنونةِ...

23

قبِلْ بِ كتيرْ
شِفتِكْ بِ عينَيّي...
كبِرتي بِ أحلامي...
تغمَّسِتْ بِ لْ حبّْ لإيّامي...
تِتغَلْغَلي فيّي...
عشِقتِكْ مِتِلْ إحساسْ
متلْ لْ لَونْ/
لِ عِنْدِكْ
متلْ لْ هَونْ/
حامِلْ كاسْ...

متلْ لْ كأنّو منِ لْ حلا مجنونْ
وبْ تِنطفي لْ أنفاس...

24

هاتي نبيذَكِ
لأُحصي سنواتِ الخمرِ
على شفتَيْكِ...

25

هذا الليلُ
يأتي خِلْسةً/
لتصيرَ الأحلامُ
هذيانَ الفتراتِ الضائعةِ...

ميشال مرقص

الأحد، 12 مايو 2019

الكاردينال البطريرك مار نصرالله صفير


الكاردينال البطريرك مار نصرالله صفير
ظاهرة شخصية متكاملة – وعمقٌ في الاستراتيجية دينيا ووطنيًا

ميشال مرقص

هو في شموخ الكبارِ وضِعةِ الأطفالِ. سديدُ الرأي صلبُ الموقف بتودّدٍ. يقولُ كلمته ويمشي. لا ينحدرُ في مستوى الطلب، صاحبُ إباءٍ ورِفعةٍ ندَرَتا. قويُّ العزمِ مهادنٌ وشديدُ المراسِ على حقٍّ.
عرفتُه وأنا دونَ العشرين. كان نائبًا بطريركيّا عامًّا في خمسينات القرن الماضي، وقضاء البترونِ منها – حيثُ قريتي- وكان في زياراته الراعوية للأبرشية ينزلُ عند عَمَّيْ والدي الكاهنين، وتُتاحُ لي فرصةٌ للتقرّب والسلام، والإصغاء إلى كلامه...
قبل ستين عامًا، كان المطران يزور رعايا الأبرشية في مناسباتٍ نادرة. معه بدأت الزيارات تتعدّد. يتحدثون عن خصاله بالحسنى، ويذاعُ صيتُه ويحلُّ في القلوب. كان المطران نصرالله صفير صاحب وجهٍ متألّقٍ وابتسامة مشرقة جاذبة، وعلى عُمقِ تفكيره يبدو ببساطةٍ كلّية وهو يتحدّثُ إلى الناس. وكانتْ لعظاتِهِ نكهةٌ جاذبة.
عندما رُقّيَ إلى سُدّةِ البطريركية على أنطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية، عام 1986 تبدّلَ مسارُ المقرِّ البطريركي. فصاحبُ الغبطة أنذرَ في خطابه الأول إثرَ انتخابه بأنّه رغم سجيّتهِ الليّنة سيكون الأصلبُ مكسرًا، ويُدافعُ عن قناعاتِه وهي تمثّلت بما لا يقبلُ الالتباس في القناعات السياديّة للوطن الذي كانَ ينوءُ بثقلِ الاقتتالات الداخلية والحروب الخارجية والمطامع الحدودية، فسعى ونبّه وأصدرَ بيانات وأبلغ رؤساء دولٍ ورؤساء أديان وسفراء وسياسيين وأحزابًا ومستفسرين، بأنّه لن يُفتَّ عضدٌ له.
لا يُناورُ ولا يمالئ، ولم يكن ليحملَ ضيمًا لولا أنْ آذته سلوكياتٌ. فكانَ عند قناعته بالامتناع عن زيارة بلدٍ يحتلُّ وطنه ويتدخل في شؤونه، على رغمِ أنّه لم يُقاطع أفرقاء وأحزابًا وسياسيين يُمالئون ذلك البلد لتحقيق مآرب سياسية ومصالح خاصّة لهم....
وهو إذْ يتجاوزُ إهانةً لحقت بشخصه، لكبرِ نفسه، فلا يغتفرها لأنها تُصيبُ منْ هو في أعلى مقامٍ ديني للطائفة المارونيّة ولا تجوزُ إهانة الراعي وتهديد وحدة القطيع...
الكاردينال البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، وقد آلمته هجرةُ رعيلٍ كبيرٍ من أبناء الطائفة المارونيّة والمسيحيين واللبنانيين، حملَ عصا البطريركية وغفّارة الكرسيّ وتاجَ الراعي، وتجاوز الحواجز . إلى أصقاع الكرة الأرضية حيثُ يهبَّ القطيعُ بلهفةٍ ليستمع إلى صوتِ راعيه ويستقبله ويتبرّك منه ويُصغي إلى طمأنتِه لهم، معزّزًا الشعور القومي والروابط الدينية، داعيًا إياهم بألاّ يتناسوا الوطن الأم ويزوروا لبنان باستمرار، بل سعى أكثر، في الدعوة إلى تسجيل من يولد خارج لبنان، في القنصليات اللبنانية المنتشرة في بلدان الاغتراب، وطلب بإفساح المجال أمام المغتربين لتنفيذ حقوقهم على صعيد المشاركة في الإنتخابات النيابية...وفي عهده عزّز أبرشيات المغتربات وعيّن مطارنة عليها يحققون الارتباط القومي بين المغتربين والمقيمين، بين المغتربات والوطن لبنان... فكانَ رائدًا في تعزيز الروابط بين الكرسيّ البطريركي وأبناء الطائفة ما وراء الحدود، لا بل بينهم وبين وطنهم الأمّ، بحيثُ بات هذا النوع من التواصل من صلب اهتمامات البطريركية.

زرتُه مطلع الألفية الثالثة، وكان ترحابهُ كمن لو غادرته صباح اليوم الأسبق، تفرّس في وجهي لأذكّره بقريتي والكهنة، ويُطلق علامة ترحابه أو تعجبه المعهودة هووووووووهوو رافعًا يده مع ابتسامة محبّبة...  وتكرّرت الزيارات مواعيد أو من دونها، وفيها يَذكُر بأنّه يقرأ لي ما أكتبه عن اقتصاد الوطن الصغير في جريدة النهار، فيستفسر في الوقائع ويسأل عن سبل العلاج، ولاحقًا باتَ يتابع تعليقاتي الاقتصادية في جريدتي النهار والحياة... ونتحدث في الواقع الاقتصادي... وكنتُ في الوقتِ ذاتِه أتابع مواعظه الأسبوعية، كما معظم المواطنين، وباتتْ موقفًا صارخًا في أوضاع الوطن واختلالات الحكم واستشراء الفساد والخروج عمّا يُفيد المواطنين ويؤمّن حقوقهم...
كنتُ أحيانًا أتجرّأ وأسأله عن "موقفٍ سياسيٍّ" له، لا يُعجبُ فريقًا... فيبتسم. لا يمكن إرضاء الجميع، يُجيب... ويُصغي إلى ما أحملُ من استفسارات... وعندما أقدّمُ له كتابًا من مؤلفاتي، يُسرُّ ... وينشرح... وباركَ لي كتاب"الاقتصاد في الإنجيل"...
سعى الكاردينال صفير إلى إنشاء مؤسسات للطائفة، وإلى الاهتمام بما يُخفّف عن أبنائها أعباء الحياة ويُسهّل لهم السكن والطبابة، كما لمْ يتوانَ عن تعزيز الروح الليتورجية وتطويرها... فكانت الإنجازاتُ تتلاحق ... ولا يُمكنُ إغفال المجمع البطريركي الماروني وغيرها وغيرها، ما جعل مدّة حبريته حافلة... ولعلَّ ما يُميّزها أنّ أبواب بكركي كانت مفتوحةً للجميع بلا استثناء، وحتى من دون تحديد مواعيد... وأنّ سيّدها كان يُنبّه إلى الأخطار المحدقة بلبنان واللبنانيين فيحذّر ويُنذر، ويقف إلى جانب تحقيق المطالب المعيشية، ويُبدي رأيًا في السياسة وغيرها...

وخلال حفل إطلاق كتاب "البطريرك مار نصر الله بطرس صفير أضواء منه وعليه" – في كنيسة الصرح البطريركي في الثاني من آذار 2012، قال فيه خليفتُه  الكاردينال البطريرك مار بشاره بطرس الراعي:" وأنا كبطريرك بنعمة الروح وبمحبتك وبمحبة المطارنة، أفاخر بفخر كبير جدًا وبإسم الكنيسة أنه لدينا بطريرك وكاردينال إسمه نصر الله بطرس صفير، نفاخر بهذه الذخيرة الموجودة في بكركي، وليس عن عبث قولي انك البطريرك الدائم، لأن كل شيء هنا هو البطريرك صفير، كل قوتنا وطريقنا وفرحنا وعزانا هو شخصيته ووجوده، وأنتم لا تعلمون كم ان وجوده بالنسبة إلينا هو القوة والضمانة، نحن نشعر بها، ونحن نعرف أن هذه نعمة كبيرة جدًا أن يكون حاضرًا معنا كل يوم بصمته وصلاته وتواضعه ولا يزال يعطي ويعطي ويعطي. ولكن ربنا لوحده هو الذي يحصي أمام العطاء".

قبل استقالته من مهمّاته، أبديتُ له خشيتي من إنقساماتٍ محتملة، قدْ تنعكس على أجواء الطائفة، فابتسم وطمأن، :"لا تخشَ، كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، وسيكون للطائفة بطريركٌ يُتابعُ المسيرة"...
وفي زياراتي له بعد الاستقالة، شكرتُه لكونه سعى إلى تأسيس "الصندوق التعاضدي الاجتماعي الصحي"...فضحك وأجاب:"عال منيح عملنا شي منيح"... قلتُ له:"البعض يحكمُ على مواقف مستقلّة، ولا يدرسها من ضمن ظاهرة متكاملة، فيقع في سوء الحكم"...

الكاردينال البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، يبقى ظاهرة متكاملة، رسم أسسًا وطنيّة ودينيّة واجتماعية، من الصعب أن تُغفل من سياق التاريخ... مواقفُه لا تُفهمُ بالإجتزاء، هو الكامل والمتكامل..



ميشال مرقص