الأربعاء، 19 يونيو 2013

أحجياتُ اللهفة





أحجياتُ اللهفة




                            مارك شاغال (روسي الولادة فرنسيّ الهويّة 1887-1985)


متى يقطرُ الضوءُ
عطرهُ فوقَ ساريةِ اللحظة.

متى يُمسِكُ مسارُ الطائرِ
بهُدبِ الريح.

متى تنقلُ الفراشاتُ بوحَ الوردِ
إلى شفتيكِ..

كلُّ خُطواتِ العشقِ
مرصودةٌ على اسمكِ.
كلُّ رموزِ اسمِكِ
مرصودةٌ على ابتهالاتِ
مسافاتِ ينابيعِ النشوةِ...

وبعدُ يا سيّدتي؟

تعزفُ المجامرُ
أناشيدَ البخورِ لطقوسِكِ...
تتلألأُ أصابعُ الفجرِ
فوقَ مناراتِ عُريكِ...
تصيرينَ ولهَ الآتي،
تصيرينَ بدايةَ البداياتِ،
أحصدُ ثمارَ بيادِرِكِ بعرقِ خصبي...
وأباركُ شفافيّةَ              
عبورِكِ في مواسمِ الاشتياق...


تغتالنا يا سيّدتي، أشواقُنا،
تتراكمُ المسافاتُ،
تقطرُها قوافلُ الوقتِ المهدورِ،
تلتبِسُ حكاياتُ الإنتظارِ،
تترَقرَقُ مياهُ الرغباتِ،
تصيرُ المحطّاتُ مُربِكةً،
تصفرُ أغاني الغياب...

....

تصدمُنا الحكايةُ...
ننعتقُ من ذاتنا إلى حلمٍ
هكذا تختبئُ أحجياتُ
اللهفة...

ميشال مرقص

أعودُ إلى طفولتي




أعودُ إلى طفولتي


                           "سعادة الطفولة للرسّام – دومينيك دولوش  (دوميدل)

أعودُ إلى طفولتي
فتتسعُ رئتاي
لهواءِ قريتي النقيّ...

أعودُ إلى طفولتي
ليعودَ العالمُ صغيرًا
في مدى
ما يجولُ بصري،

أعودُ إلى طفولتي
لأقفزَ من ثيابي
في جلالِ الزيتونِ والتينِ والعنبِ،

أعودُ إلى طفولتي
لأؤلّفَ مسرحياتِ الريح
في بساطِ غابتي الصغيرة،
حيثُ
تُخبّئني
ظلالُها فوقَ صخورها الملساء،
أقطفُ أحلامَ الطفولة
بغامراتِ المدى المسحورِ
باشتهائي
إلى حرّيةِ الانتشاء...

كلُّ شيءٍ في الطفولةِ
بقي في مكانِه...

الهنيهاتُ الصغيرةُ
والشيطناتُ الكبيرة،
تتوالفُ
في رمزيةِ
الانتماءِ إلى عالمِ الحكاياتِ،
ألملمُ فصولها ممن سبقني في مغامراتِ العُمرِ،
أعيشُها
كأنني بطلُها
كلّما لامسَ جفنايَ
مسارَّ النعاسِ
إلى كرومِ الاطمئنان
في أحضانِ الطفولةِ...

***


أعودُ إلى الطفولةِ
لأراكِ تكبرينَ معي
يومًا عن آخر...

لنهربَ إلى فيءٍ
إلى ظلالٍ
نُعمّرُ فيها أحلامَ الكبار،
ونلعبُ
كما لوكنّا نملكُ مساحاتِ الكونِ،
وأنتظرُكِ
لنلعبَ كما الكبارُ
ونحنُ نحملُ نقاءَ الأطفالِ...

أعودُ إلى الطفولةِ
لأتركَ خيالَكِ وحيدًا
وأنا أتمسكُ بصوتِ أبي،
وأركضُ
خوفًا من خوفِ أمّي عليَّ...

أعودُ إلى أحواضِ العطورِ حول البيتِ
فلم نكنْ نغرسُ
شتولا لزهورٍ لا عطورَ لها...

أعودُ إلى طفولةِ الوردِ الجوريِّ
والحبقِ والمنتورِ
والياسمين
والزنبق والبيلسانِ
والعطرِ وغيرها وغيرها
وكلّها يحملُ في الفضاء المحيطِ
أريجه ليطيبَ قنديلُ السهرِ
في الليالي المُقمراتِ...

أعودُ إلى الطفولةِ
لأراقبَ
متى ينامُ قنديلُ بيتكِ
لتطيبَ لي الأحلامُ...

تعالي لنحفرَ في جبهةِ التُرابِ
رائحةَ الخصبِ
كما كنّا نعشقُها...

تعالي لنحلمَ
كيفَ نبني الحجارةَ بيتًا
لنا
تعالي
إلى أحواضِ البهجةِ
إلى مواكبِ الحساسين
ورفوف الورور
واختيال البواشق ...
وارتعاشاتِ العصافير
بين أغصان السنديانِ ...

وأسرقُ لكِ وردةً لشعرِكِ...

فلقد هجرتُ الطفولة
قبلَ سبعين عامًا ...


ميشال مرقص

مرثاةٌ لعصفور...





مرثاةٌ لعصفور...



من كتاب "أناشيد العصافير" – فارسي وضع نهاية القرن الثاني عشر –
 الرسوم  تعود إلى القرن الرابع عشر – لغاية السابع عشر 


تسقطُ مثلَ فراشةِ الضوءِ
في مرمى قنّاص...
كأنّكَ دمعةُ السماء.
وتلقى من عبثيّةِ القدر،
موتًا غيرَ رحيمٍ...

تكادُ لا تسدَّ لُقمةَ جوعٍ لفقيرٍ
ورغمَ ذلكَ ضلّلتهمْ
فوقعتَ – ضائعًا – فوق طريق...
تحرمُ زرقةَ الفضاء
وغيومَ الأفقِ رفّةَ جناحٍ
وزقزقةَ عطاء...
كما لو تهجُرُ الأغصانُ
حُنجرَتَها
وتفقدُ لنقلةٍ تهزُّ وريقاتها...

لا يُدركُ القنّاصونَ أيّها الطائرُ الصغيرُ
الهازجُ فرحًا ...
كمْ أنتَ تقيهمْ مضارَّ
فتفتكَ بالحشراتِ الضارّة
وتنقلَ بذورَ خصبٍ
وتتركَ في لوحةِ الطبيعة
حلاوةَ النعمة المسترخية فوق البساتين والجبال المطمئنّة...

ندعكَ في قفصٍ
فنسرقُ منكَ الحرّية...
نُفلتُكَ في الطبيعة
فنغتالُ حرّيتَكَ ...

ونشتهيكَ على كأس ...
لأننا نُمعنُ في قتلكَ...
في اغتيالكِ
في تهديمِ بيئتنا
في تدمير الطبيعة ...

ذكّرتني وأنا أمرُّ أمام جسمكِ الصغير الملقى فوق الطريق،
بمن يصرعهم التعصّبُ الأعمي،
والجهل الموروث من الغباء
والإنتصارات المُهَلْوِسة
بحبوب المخدّرات
ومنوّماتِ الدين الأعمى ...

ذكّرتني
بأنّ من يقتلُ إنسانًا
يغتالُ عصفورًا...
السلاح باتَ "مشعل الذكورة والفحولة"
في بلادي في بلاد الشرق
حيثُ يطيبُ لكَ
أن تبيض وتُفرّخ أيها العصفورُ...
و...تُقتلَ بلا رحمة ...

...

سأخبرُ رفوف العصافير
كمْ كنتَ تعشقُ الحرّية
وأطلبُ إلى الله
أنْ يحمي أجنحتها
لنقرأ أبجدية الفرح
مع كلّ صباح...
بلا عربدة البواريد
وأسلحة اغتيال الطبيعة...
وتشريح جُثث المُستَشهَدين
إمعانًا في تشويه...
بل حقدًا مطليًّا بدروع الفولاذ...

...

غرّد أيُّها العصفورُ
مرثاةَ الناس...

يتدافعونَ للانتحارِ الكبير...


ميشال مرقص